القرطبي

93

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

وقيل : المعنى يتوبون على قرب عهد من الذنب من غير إصرار . والمبادر في الصحة أفضل ، وألحق لأمله من العمل الصالح . والبعد كل البعد الموت ، كما قال : * وأين مكان البعد إلا مكانيا ( 1 ) * وروى صالح المري عن الحسن قال : من عير أخاه بذنب قد تاب إلى الله منه ابتلاه الله به . وقال الحسن أيضا : إن إبليس لما هبط قال : بعزتك لا أفارق ابن آدم ما دام الروح في جسده . قال الله تعالى : ( فبعزتي لا أحجب التوبة عن ابن آدم ما لم تغرغر نفسه ) . الرابعة - قوله تعالى : ( وليست التوبة ) نفى سبحانه أن يدخل في حكم التائبين من حضره الموت وصار في حين اليأس ، كما كان فرعون حين صار في غمرة الماء والغرق فلم ينفعه ما أظهر من الايمان ، لان التوبة في ذلك الوقت لا تنفع ، لأنها حال زوال التكليف . وبهذا قال ابن عباس وابن زيد وجمهور المفسرين . وأما الكفار يموتون على كفرهم فلا توبة لهم في الآخرة ، وإليهم الإشارة بقوله تعالى : ( أولئك اعتدنا لهم عذابا أليما ) وهو الخلود . وإن كانت الإشارة بقوله إلى الجميع فهو في جهة العصاة عذاب لا خلود معه ، وهذا على أن السيئات ما دون الكفر ، أي ليست التوبة لمن عمل دون الكفر من السيئات ثم تاب عند الموت ، ولا لمن مات كافرا فتاب يوم القيامة . وقد قيل : إن السيئات هنا الكفر ، فيكون المعنى وليست التوبة للكفار الذين يتوبون عند الموت ، ولا للذين يموتون وهم كفار . وقال أبو العالية : نزل أول الآية في المؤمنين ( إنما التوبة على الله ) . والثانية في المنافقين . ( وليست التوبة للذين يعملون السيئات ) يعني قبول التوبة للذين أصروا على فعلهم . ( حتى إذا حضر أحدهم الموت ) يعني الشرق ( 2 ) والنزع ومعاينة ملك الموت . ( قال إني تبت الآن ) فليس لهذا توبة . ثم ذكر توبة الكفار فقال تعالى : ( ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك اعتدنا لهم عذابا أليما ) أي وجيعا دائما . وقد تقدم ( 3 ) .

--> ( 1 ) هذا عجز بيت لمالك بن الريب المازني . وصدره : * يقولون لا تبعدوهم يدفنونني * ( 2 ) كذا في أوب وج‍ وز وج‍ وط وى . وفى د : السوق . والشرق بفتح الراء : من شرق الميت بريقة إذا غض به . ( 3 ) راجع ج 1 ص 198